دولي

دكتور الجوهري الشبيني الخبير الدولي : حين يصبح العدل غريبًا

كتب دكتور الجوهري الشبيني الخبير الدولي، موضحا حين يصبح العدل غريبًا… كيف يدفع الظلم الناس إلى حافة الانفجار؟ — في زمنٍ اختلطت فيه المعايير، وتبدّلت فيه موازين الحق والباطل، لم يعد الظلم مجرد حادثة فردية تقع هنا أو هناك، بل صار شعورًا عامًا يتسلل إلى النفوس، يثقل الصدور، ويزرع في القلوب إحساسًا مريرًا بأن العدالة أصبحت حلمًا مؤجلًا في عالمٍ يصفق أحيانًا للأقوى بدلًا من أن ينصف الأحق.
كم من مظلومٍ التزم الصمت لأن صوته لا يُسمع؟ وكم من إنسانٍ ابتلع قهره لأنه أدرك أن الشكوى في بعض الأحيان لا تغيّر شيئًا؟ وكم من قلبٍ احترق من الداخل بينما بدا للناس ثابتًا لا يهتز؟
إن أخطر ما يفعله الظلم بالإنسان ليس فقط أنه يسلبه حقه، بل أنه يهز ثقته في عدالة الحياة ذاتها، ويجعله يتساءل في لحظات ضعفه: كيف ينتصر الباطل بهذا الشكل؟ ولماذا ينجو الظالم بينما يدفع المظلوم وحده ثمن النزاهة والصبر؟
لكن الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن الظلم، مهما بدا قويًا، يحمل في داخله أسباب سقوطه. فالفساد قد يعلو، والباطل قد ينتفش، والظالم قد يظن أنه أفلت من الحساب… لكن التاريخ، قبل النصوص، يثبت أن كل منظومة قامت على الجور انتهت إلى انهيار، وكل قوة بُنيت على سحق الناس كانت تحمل في قلبها بذور فنائها.
غير أن أخطر مرحلة ليست لحظة وقوع الظلم، بل ما بعدها… تلك المسافة الممتدة بين القهر والإنصاف. بين أن يُسلب الإنسان حقه، وبين أن يرى العدالة تعود إليه. هناك، في تلك المسافة الموجعة، يُختبر معدن البشر.
فبعض الناس يصبرون رغم الانكسار، ويتمسكون بالحكمة رغم الألم، ويؤمنون أن الحقوق لا تضيع عند الله وإن ضاعت في الأرض. لكن آخرين، حين يطول بهم القهر، ويشتد عليهم الإحباط، ويغيب عنهم الأمل، يصلون إلى لحظة انفجار لا يعود فيها العقل قادرًا على كبح جراح النفس.
ولعل ما شهدناه في واقعة “سيدة سموحة” يكشف جانبًا من هذه الحقيقة المؤلمة. فالقضية لم تكن مجرد مشهدٍ عابرٍ لانفعال فردي، بل كانت صورة مكثفة لحالة مجتمعية أوسع: حين يُترك الإنسان طويلًا تحت ضغط الظلم، والإحباط، والشعور بانعدام الإنصاف، فقد تأتي لحظة يسبق فيها الجرحُ الحكمة، وينتصر فيها الوجع على الاتزان.
وهنا يقع الخطأ الأكبر الذي يرتكبه المجتمع: أن يُدين لحظة الانفجار، ويتجاهل سنوات الاحتقان التي صنعتها.
لا أحد يبرر الخطأ. ولا أحد يبرر الانفعال حين يتحول إلى تجاوز. لكن الإنصاف الحقيقي يقتضي أن نفهم قبل أن نحكم، وأن نسأل: ما الذي أوصل إنسانًا إلى هذه الحافة أصلًا؟ فردود الأفعال العنيفة كثيرًا ما تكون آخر حلقات سلسلة طويلة من الصبر المكسور، لا أولها.
إن المجتمعات لا تُقاس فقط بطريقة معاقبتها للمخطئ، بل أيضًا بقدرتها على منع الناس من الوصول إلى لحظة الانهيار. فالعدل ليس رفاهية أخلاقية… بل صمام أمان يحفظ توازن المجتمع كله. وحين يغيب، لا تتضرر الضحية وحدها، بل تتصدع النفوس، وتتشوه العلاقات، ويتحول الاحتقان الفردي إلى مرضٍ جماعي يهدد الجميع.
ولهذا، فإن التمسك بالإيمان والصبر ليس دعوة للاستسلام، بل دعوة لعدم السماح للظلم بأن يفسد أرواحنا كما أفسد أفعال الظالمين. أن نواجه القهر بالثبات، لا بالانهيار. وأن نحفظ إنسانيتنا، حتى ونحن نطالب بحقوقنا.
فقد يتأخر العدل… وقد يطول الطريق… وقد يظن البعض أن الباطل انتصر…
لكن الحقيقة التي لا تتغير: أن كل ظلمٍ إلى زوال، وأن كل حقٍ له يوم يعود فيه، وأن الله يمهل… لكنه لا يُهمل.
وفي النهاية… سيظل الحق حقًا، ولو حاصرته الجموع، وسيظل الباطل باطلًا، ولو ارتدى ثياب القوة، وسيبقى التاريخ شاهدًا: أن الظلم قد يربح جولة… لكنه لا ينتصر أبدًا في المعركة الأخيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *