دولي

قبل أن تراه العيون… شهد له موكب النبوهيقول الله تعالى:﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ۚ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾.هذه الآية من الآيات التي تفتح للقلب بابا عجيبا من معاني الوفاء والمحبة والاصطفاء.فالله سبحانه لم يذكر أنه أخذ من الأنبياء مجرد عهد، وإنما قال: ﴿مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾، والميثاق هو العهد المؤكد الموثق؛ وكأن الرسالة ليست مجرد تكليف يؤديه النبي، وإنما عهد بين الاصطفاء الإلهي والقلب المصطفى.

ثم تأمل قوله سبحانه:
﴿لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾
فكأن الله يقول: ما أعطيتكم من كتاب وحكمة ليس ملكا تستأثرون به، ولا فضلا تقفون عنده، وإنما هو نور يحمل نورا، ورسالة تفتح الطريق لما بعدها.

ولهذا جاء قوله:
﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ﴾
وهنا يشرق معنى عظيم:
الأنبياء لا يتنافسون على النبوة، والرسالات لا تتصارع على الحق، وإنما تتعانق في أصل واحد.
فكل نبي جاء ليقيم في الأرض معرفة الله، وكل رسول كان حلقة في سلسلة النور، حتى جاء خاتمهم صلى الله عليه وسلم، فصدق ما سبقه، وأكمل ما بدأه، وجمع الله به كمال الهداية.

ثم تأتي العبارة التي تهز القلب:
﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾
تأمل : إن الله أخذ الميثاق من النبيين أن يؤمنوا برسول يأتي بعدهم وينصروه.
وفي ذلك إشارة وجدانية إلى أن قدر النبي صلى الله عليه وسلم ليس محصورا في زمان بعثته، وإنما كانت له منزلة في موكب النبوة قبل أن يراه أهل زمانه.
فهو حاضر في بشارات الأنبياء، حاضر في مواثيقهم، حاضر في امتداد الرسالة، حتى جاء زمان ظهوره صلى الله عليه وسلم.
ثم يقول سبحانه:
﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي﴾
والإصر هو العهد الثقيل المؤكد.
وكأن المعنى:
هل عرفتم قدر هذا العهد؟
هل حملتم أمانته؟
هل رضيتم أن تكونوا شهودا لهذا الامتداد النوراني للرسالة؟

فيقولون: ﴿أَقْرَرْنَا﴾
وهنا جمال آخر: الإقرار قبل الشهادة.
فالقلب أولا يقول: نعم.
ثم تتحول هذه الكلمة “نعم” إلى عهد.
ثم يتحول العهد إلى شهادة.
ثم تتحول الشهادة إلى عمل ونصرة ووفاء.

ثم تأتي الجملة التي تملأ المشهد مهابة:
﴿قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾
وكأن الله سبحانه يقول:
أنتم شهود على العهد، وأنا شاهد عليكم.

ومن ألطف المعاني
أن الآية تعلمنا أن الحب الحقيقي لا يكون مجرد عاطفة، وإنما عهد ووفاء ونصرة.
فإذا كان الله قد أخذ على الأنبياء ميثاق الإيمان برسوله ونصرته، فكيف ينبغي أن يكون حالنا نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فليس الحب أن نكثر من الكلام عنه فقط، وإنما أن تسطع علينا أنوار سنته، وننصر هديه، ونجعل أخلاقه حاضرة في بيوتنا ومعاملاتنا ورحمتنا بالخلق.

وكأن الآية تهمس للقلب:
يا من تقول إنك تحب رسول الله، هل أخذت على قلبك عهدا أن تهتدي بهديه فعلا، وأن تجعل أخلاقه شاهدة على صدق محبتك؟

فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن خاتم سلسلة الأنبياء فحسب، بل كان جامع أنوار الرسالات؛ جاء مصدقا لما بين يديه، مكملا لمسيرة الهداية، ورحمة للعالمين.

ولهذا يختم الله الآية بقوله:
﴿وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾
فما أعظم العهد إذا كان الله شاهده
وما أعظم المحبة إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم موضعها
وما أعظم الوفاء إذا صار السلوك شاهدا على صدق ما في القلب.
فاللهم صلِّ على سيدنا محمد صلاة تجمعنا به

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *